العيني
30
عمدة القاري
مناسبة هذا للترجمة تؤخذ من قوله : ( يستسقى الغمام ) لأن فاعله محذوف ، لأن تقديره : يستسقى الناس بالغمام ، واعترض بأنه لا يلزم من كون الناس فاعلاً ليستسقى أن يكونوا سألوا الإمام أن يستسقى لهم ، فلا يطابق الترجمة ، ويمكن أن يجاب عنه بأن معنى قول أبي طالب هذا في الحقيقة توسل إلى الله عز وجل بنبيه ، لأنه حضر استسقاء عبد المطلب والنبي صلى الله عليه وسلم معه ، فيكون استسقاء الناس الغمام في ذلك الوقت ببركة وجهه الكريم ، وإن لم يكن في الظاهر أن أحدا سأله ، وكانوا مستشفعين به ، وهو في معنى السؤال عنه . على أن ابن عمر ، رضي الله تعالى عنهما ، ما أراد مجرد ما دل عليه شعر أبي طالب ، وإنما أشار إلى قصة وقعت في الإسلام حضرها . قوله : ( حدثني عمرو بن علي ) وفي بعض النسخ : حدثنا ، بصيغة الجمع ، وعمرو بن علي بن بحر أبو حفص الباهلي البصري الصيرفي ، وأبو قتيبة سلم ، بفتح السين المهملة وسكون اللام : ابن قتيبة الخراساني البصري ، مات بعد المائتين ، وهذا البيت من قصيدة قالها أبو طالب ، وهي قصيدة طنانة لامية من بحر الطويل ، وهي مائة بيت وعشر أبيات ، أولها قوله : * خليلي ما أذني لأول عاذل * بصفواء في حق ولا عند باطل * وآخرها قوله : * ولا شك أن الله رافع أمره * ومعليه في الدنيا ويوم التجادل * * كما قد رأى في اليوم والأمس جده * ووالده رؤياهم غير آفل * يذكر فيها أشياء كثيرة من عداوة قريش إياه بسبب النبي صلى الله عليه وسلم ، ومدحه نفسه ونسبه وذكر سيادته وحمايته للنبي صلى الله عليه وسلم ، والتعرض لبني أمية ، وغير ذلك ، يعرفها من يقف عليها . وقد تمثل عبد الله بن عمر بالبيت المذكور ، ومعنى التمثل : إنشاد شعر غيره . قوله : ( وأبيض ) ، بفتح الضاد وضمها ، وجه الفتح أن يكون معطوفا على قوله : ( سيدا ) في البيت الذي قبله ، وهو قوله : * وما ترك قوم لا أبا لك سيدا * يحوط الذمار غير ذرب مؤاكل * و : الذمار ، بكسر الذال المعجمة : وهو ما لزمك حفظه مما وراءك ، وتعلق به قوله : ( غير ذرب ) أراد به : ذرب اللسان بالشر ، وأصله من : ذرب المعدة ، وهو فسادها ، والمؤاكل ، بضم الميم : الذي يستأكل ، ويجوز أن يكون مفتوحا في موضع الجر برب المقدرة ، والوجه الأول أوجه ، ووجه الضم هو الرفع إن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره : وهو أبيض . قوله : ( يستسقي الغمام بوجهه ) جملة وقعت صفة لأبيض ، ومحلها من الإعراب النصب أو الرفع على التقديرين . قوله : ( ثمال اليتامى ) كلام إضافي يجوز فيه الرفع والنصب على التقديرين المذكورين ، والثمال ، بكسر الثاء المثلثة : قال ابن الأنباري : معناه مطعم لليتامى ، يقال : ثملهم يثملهم إذا كان يطعمهم وفي ( مجمع الغرائب ) : يقال : هو ثمال قومه إذا كان يقوم بأمرهم ، وفي ( المحكم ) : فلان ثمال بني فلان ، أي : عمادهم . وقال ابن التين : أي المطعم عند الشدة . قوله : ( عصمة للأرامل ) ، كذلك بالوجهين في الإعراب ، والأرامل جمع أرمل ، وهو الذي نفد زاده ، وقال ابن سيده : رجل أرمل وامرأة أرملة وهي المحتاجة والأرامل والأراملة ، كسروه تكسير الأسماء لغلبته ، وكل جماعة من رجال ونساء أو رجال دون نساء أو نساء دون رجال أرامل بعد أن يكونوا محتاجين . وفي ( الجامع ) : قالوا : ولا يقال رجل أرمل لأنه لا يكاد يذهب زاده بذهاب امرأته ، إذ لم تكن قيِّمة عليه بالمعيشة ، بخلاف المرأة ، وقد زعم قوم أنه يقال : رجل أرمل إذا ماتت امرأته ، قال الحطيئة : * هذي الأرامل قد قضيت حاجتها * فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر * قال السهيلي ، رحمه الله تعالى . فإن قيل : كيف قال أبو طالب : يستسقى الغمام بوجهه ، ولم يره قط استسقى ، إنما كان ذاك من بعد الهجرة ؟ وأجاب : بما حاصله : أن أبا طالب أشار إلى ما وقع في زمن عبد المطلب ، حيث استسقى لقريش والنبي صلى الله عليه وسلم معه وهو غلام ، قيل : يحتمل أن يكون أو طالب مدحه بذلك لما رأى من مخائل ذلك فيه ، وإن لم يشاهد وقوعه ، وقال ابن التين : إن في شعر أبي طالب هذا دلالة على أنه كان يعرف نبوة النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث ، لما أخبره به بحيراء وغيره من شأنه . قيل : فيه نظر ، لأن ابن إسحاق زعم أن أبا طالب أنشأ هذا الشعر بعد البعث . قلت : في هذا النظر نظر ، لأنه لما علم أنه نبي بأخبار بحيراء وغيره أنشد هذا الشعر بناء على ما علمه من ذلك قبل أن يبعث صلى الله عليه وسلم .